محمد بن جرير الطبري
386
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها ، فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا ، وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة . وقد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني إسرائيل ، قال : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً " قال : وقال : " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن " . وقال : " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها ، ولا يهلك على الله إلا ها لك " . فأنزل الله : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ . واختلف أهل العربية في معنى أَمْ التي في قوله : أَمْ تُرِيدُونَ . فقال بعض البصريين : هي بمعنى الاستفهام ، وتأويل الكلام : أتريدون أن تسألوا رسولكم ؟ وقال آخرون منهم : هي بمعنى استفهام مستقبل منقطع من الكلام ، كأنك تميل بها إلى أوله كقول العرب : إنها لإِبل يا قوم أم شاء ، ولقد كان كذا وكذا أم حدس نفسي . قال : وليس قوله : أَمْ تُرِيدُونَ على الشك ؛ ولكنه قاله ليقبح له صنيعهم . واستشهد لقوله ذلك ببيت الأَخطل : كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا وقال بعض نحويي الكوفيين : إن شئت جعلت قوله : أَمْ تُرِيدُونَ استفهاما على كلام قد سبقه ، كما قال جل ثناؤه : ألم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ فجاءت " أم " وليس قبلها استفهام . فكان ذلك عنده دليلا على أنه استفهام مبتدأ على كلام سبقه . وقال قائل هذه المقالة : " أم " في المعنى تكون ردا على الاستفهام على جهتين ، إحداهما : أن تعرف معنى " أي " ، والأَخرى أن يستفهم بها ، ويكون على جهة النسق ، والذي ينوي به الابتداء ؛ إلا أنه ابتداء متصل بكلام ، فلو ابتدأت كلاما ليس قبله كلام ثم استفهمت لم يكن إلا بالأَلف أو ب " هل " . قال : وإن شئت قلت في قوله : أَمْ تُرِيدُونَ قبله استفهام ، فرد عليه وهو في قوله : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . والصواب من القول في ذلك عندي على ما جاءت به الآثار التي ذكرناها عن أهل التأويل أنه استفهام مبتدأ بمعنى : أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم ؟ وإنما جاز أن يستفهم القوم ب " أم " وإن كانت " أم " أحد شروطها أن تكون نسقا في الاستفهام لتقدم ما تقدمها من الكلام ؛ لأَنها تكون استفهاما مبتدأ إذا تقدمها سابق من الكلام ، ولم يسمع من العرب استفهام بها ولم يتقدمها كلام . ونظيره قوله جل ثناؤه : ألم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ . وقد تكون " أم " بمعنى " بل " إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه " أي " ، فيقولون : هل لك قبلنا حق ، أم أنت رجل معروف بالظلم ؟ وقال الشاعر : فوالله ما أدري أسلمى تغولت * أم القوم أم كل إلي حبيب يعني : بل كل إلي حبيب . وقد كان بعضهم يقول منكرا قول من زعم أن " أم " في قوله : أَمْ تُرِيدُونَ استفهام مستقبل منقطع من الكلام يميل بها إلى أوله أن الأَول خبر والثاني استفهام ، والاستفهام لا يكون في الخبر ، والخبر لا يكون في الاستفهام ؛ ولكن أدركه الشك بزعمه بعد مضي الخبر ، فاستفهم . فإذا كان معنى " أم " ما وصفنا ، فتأويل الكلام : أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم من الأَشياء نظير ما سأل قوم موسى من قبلكم ، فتكفروا إن منعتموه في مسألتكم ما لا يجوز في حكمة الله إعطاؤكموه ، أو أن تهلكوا ، إن كان مما يجوز في حكمته عطاؤكموه فأعطاكموه ثم كفرتم من بعد ذلك ، كما هلك من كان